ابن عطية الأندلسي
560
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ذكر اللّه عزّ وجل مقالة فرعون حين أعيته الحيل في مقاومة موسى عليه السلام بحجة ، وظهر لجميع المشاهدين أن ما يدعو إليه موسى من عبادة إله السماء حق ، فنادى فرعون هامان وهو وزيره والناظر في أموره ، فأمره أن يبني له بناء عاليا نحو السماء . و « الصرح » كل بناء عظيم شنيع القدر ، مأخوذ من الظهور والصراحة ، ومنه قولهم : صريح النسب ، وصرح بقوله ، فيروى أن هامان طبخ الآجر لهذا الصرح ولم يطبخ قبله ، وبناه ارتفاع مائة ذراع فبعث اللّه جبريل فمسحه بجناحه فكسره ثلاث كسر ، تفرقت اثنتان ووقعت ثالثة في البحر . وروي أن هامان لم يكن من القبط ، وقيل : كان منهم . و : الْأَسْبابَ الطرق ، قاله السدي . وقال قتادة : أراد الأبواب وقيل : عنى لعله يجد مع قربه من السماء سببا يتعلق به . وقرأ الجمهور : « فأطلع » بالرفع عطفا على « أبلغ » ، وقرأ حفص عن عاصم والأعرج : « فأطلع » بالنصب بالفاء في جواب التمني . ولما قال فرعون بمحضر من ملئه فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى اقتضى كلامه الإقرار ب إِلهِ مُوسى ، فاستدرك ذلك استدراكا قلقا بقوله : وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً ، ثم قال تعالى : وَكَذلِكَ زُيِّنَ أي إنه كما تخرق فرعون في بناء الصرح والأخذ في هذه الفنون المقصرة كذلك جرى جميع أمره . و : زُيِّنَ أي زين الشيطان سوء عمله في كل أفعاله . وقرأ الجمهور : « وصد عن السبيل » بفتح الصاد بإسناد الفعل إلى فرعون . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وجماعة : « وصدّ » بضم الصاد وفتح الدال المشددة عطفا على زُيِّنَ وحملا عليه ، وقرأ يحيى بن وثاب : « وصد » بكسر الصاد على معنى صد ، أصله : صدد ، فنقلت الحركة ثم أدغمت الدال في الدال . وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكرة بفتح الصاد ورفع الدال المشددة وتنوينها عطفا على قوله : سُوءُ عَمَلِهِ . و : السَّبِيلِ سبيل الشرع والإيمان و « التباب » : الخسران ، ومنه : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : 1 ] وبه فسر مجاهد وقتادة . وتب فرعون ظاهر ، لأنه خسر ماله في الصرح وغيره ، وخسر ملكه وخسر نفسه وخلد في جهنم ، ثم وعظ الذي آمن فدعا إلى اتباع أمر اللّه . وقوله : اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ يقوي أن المتكلم موسى ، وإن كان الآخر يحتمل أن يقول ذلك ، أي